أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
168
نثر الدر في المحاضرات
وحكى دعبل قال : بلغني أنّ أبا الحارث قد فلج ، فاغتممت لظرفه وملاحته ، فصرت إليه فوجدته في عافية ؛ فحمدت اللّه وسألته عن خبره ؟ فقال : دخلت الحمّام وأكلت السمك ، ودعوت المزيّن فأخذ شعري ، فظن الفالج لما رأى المزين عندي أني احتجمت ؛ فلما علم أنه أخذ من شعري تركني وانصرف . ونظر يوما إلى برذون يستقى عليه ، فقال « 1 » : [ الطويل ] وما المرء إلا حيث يجعل نفسه لو أن هذا هملج « 2 » ما كان هذا . وأكل يوما مع الرؤساء بيضا مسلوقا ، فجعل يأكل الصفرة ، وينحّي البياض إلى بين يدي أبي الحارث عبثا به ؛ فقال لما طال ذلك عليه - وتنفّس الصعداء - : سقى اللّه روح العجّة فما أعدلها . ودخل إلى بعض أصدقائه يوما ، فقال له : ما تشتهي ؟ قال : أما اليوم فماء حصرم ، وأما غدا فهريسة . قال بعضهم : دخلت على جمين أعوده من مرض به ، فقلت له : ما تشتهي ؟ فقال : أعين الرقباء ، وألسن الوشاة ، وأكباد الحسّاد . مرّ رجل به فسلّم عليه بسوطه ، فلم يرد عليه ؛ فقيل له في ذلك ؛ فقال : سلّم علي بالإيماء ، فرددت عليه بالضمير . وسأله يحيى بن خالد عن مائدة ابنه ؛ فقال : أمّا مائدته فمن نصف كسرة ، وأمّا صحافه فمنقورة من قشور حبّ الخشخاش ، وما بين الرغيف والرغيف مدّ البصر ، وما بين اللون واللون فترة ما بين نبيّ ونبيّ . قال : فمن يحضرها ؟ قال : خلق كثير من الكرام الكاتبين . قال : فيأكل معه أحد ؟ قال : نعم ، الذّبّان . قال : سوأة له هذا ، فثوبك مخرق وأنت بفنائه يطور ، فلو رقعت قميصك ! قال : ما
--> ( 1 ) عجزه : ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل والبيت لمنقر بن فروة المنقري في البيان والتبيين 3 / 228 ، وبلا نسبة في البيان والتبيين 2 / 103 . ( 2 ) هملج : أسرع في سيره .